في واحدة من أكثر الصفقات براعة في سوق الانتقالات الصيفية، أثبت نادي إيه سي ميلان أنه لا يزال يمتلك بصيرة نادرة في التعاقد مع النجوم الكبار. حيث نجح النادي الإيطالي في التعاقد مع الأسطورة الكرواتية لوكا مودريش بصفقة مجانية بعد انتهاء عقده مع ريال مدريد الإسباني. لم يكن الأمر مجرد إضافة اسم لامع إلى القائمة، بل كان إضافة استراتيجية ذكية لقلب الفريق وروحه. وفي وقت قياسي، أصبح مودريش ليس فقط أفضل لاعب في وسط الملعب، بل أصبح القائد الذي يجعل اللعبة أسهل بالنسبة للجميع، مما دفع أساطير النادي إلى إطلاق المقارنات التاريخية.
لم ينتظر النجم الكرواتي طويلاً لكي يحصل على أعلى درجات الثناء، حيث جاء هذا الثناء من مصدر لا يملك أي مرء إلا أن يصغي إليه: ديميتريو ألبيرتيني، أسطورة وسط ملعب ميلان ومنتخب إيطاليا السابق. خرج ألبيرتيني بإشادة تاريخية تجاه مودريش، موضحًا أن مجرد وجود الكرواتي على أرض الملعب “يجلب الهدوء” للفريق بأكمله. ولكن الأهم من ذلك كانت المقارنة الجريئة التي أطلقها ألبيرتيني، حيث شبه مودريش بزميله السابق والأسطورة الإيطالية أندريا بيرلو. وأكد ألبيرتيني أن كلا اللاعبين امتلكا القدرة الفذة على “إعادة اختراع نفسيهما مع تقدم العمر” من أجل تلبية احتياجات الفريق بشكل كامل، حيث تحولا من لاعبي خط وسط مهاجمين إلى صانعي ألعاب عميقين (ريجستا) يتحكمان في إيقاع المباراة بذكاء وحكمة نادرين.

قد يتساءل البعض عن السر وراء التأثير الفوري والمذهل لوكا مودريش في فريقه الجديد، رغم أنه تجاوز الأربعين من عمره. الإجابة ببساطة تكمن في الذكاء الكروي غير المسبوق والرؤية الثاقبة التي يمتلكها. مودريش لا يعتمد على القوة البدنية أو السرعة العالية، بل يعتمد على عقله الذي يجعله دائمًا “خطوة أمام الخصوم”، كما ذكر المدرب ماسيميليانو أليجري. هذا التفوق العقلي يظهر في عدة نقاط:
السيطرة على الإيقاع: فهو من يقرر متى يتم تسريع اللعبة ومتى يتم إبطاؤها لتهدئة الأمور.
التمريرات الذكية: تمريراته القصيرة والطويلة دائمًا ما تكون في المساحة الصحيحة التي تضع زملائه في أفضل وضع ممكن.
الوعي الوضعي: موقعه على أرض الملعب دائمًا ما يكون مثاليًا لاستقبال الكرة وإعادة توزيعها، مما يسهل عملية خروج الفريق من الضغط.
هذه المهارات مجتمعة هي بالضبط ما يجعل زملاءه في الفريق يؤدون بشكل أفضل، لأنه يخلصهم من ضغط التفاصيل المعقدة ويضعهم في وجهة المرمى بسهولة.
لا يمكن فصل الإشادات النظرية عن الأداء العملي على أرض الملعب، وهنا يأتي الدليل الأقوى على تأثير مودريش. منذ انضمامه، خاض ميلان أربع مباريات في الدوري الإيطالي، تمكن من الفوز في ثلاثة منها، وهي بداية قوية تعيد الأمل للجماهير في المنافسة على لقب “سيري أ”. على المستوى الشخصي، لم يكتف مودريش بتسييل اللعب، بل ساهم بشكل مباشر في النتائج، حيث سجل هدفًا واحدًا وقدّم تمريرة حاسمة واحدة (أسيست)، مما يثبت أنه لا يزال يمتلك التأثير الهجومي المطلوب إلى جانب قيادته للفريق.
تشبيه ألبيرتيني لمودريش ببيرلو كان دقيقًا للغاية لأنه يلامس نقطة أساسية في مسيرة كلا اللاعبين، وهي مرونة التطور. ففي بداياتهما، كان كل من مودريش وبيرلو يلعبان في مركز متقدم أكثر في وسط الملعب. ولكن مع تقدم العمر وتراجع القوة البدنية، أظهر كلاهما عقلية عبقرية في تحويل مسارهما المهني. انتقل كلاهما إلى مركز الـ “ريجستا” أو صانع الألعاب العميق، مستخدمين خبرتهما وذكائهما في قراءة اللعبة للتحكم في مجريات الأمور من عمق الملعب. هذا التحول هو علامة على العبقرية الحقيقية والاحترافية العالية، وهو ما يضمن لمودريش الاستمرار في التألق لسنوات قادمة، حاملًا معه حكمة من سبقوه مثل بيرلو.